الأحد، 31 مايو، 2009

نتائج الثانوية وصراعنا مع المغول ... بقلم : م. إسماعيل عنجريني

ثابر إلى الأمام يا عصفور يادكتور المستقبل, هذه وغيرها من العبارات التي تتحفنا بها الكثير من المدرسات وذلك لتشجيع الطفل الصغير للعمل بجد أكبر ليصير دكتوراً يعاين الفقراء بالمجان ( يا عيني عليهم شقدهم طيبين ... ) ومنهم من يظن أنه عصفور فيذهب ويلقي بنفسه من مكان مرتفع ليقع ويصيح بكاء وعويلاً ....

المهم هدفي من هذه المقدمة هو أننا ومن صغرنا تُزرع فينا بشكل مباشر وغير مباشر أفكار وكلمات تحدد مستقبلنا وطريقة تفكيرنا فيما سنصبح عندما نكبر وكيف سننتسب إلى نقابة الأطباء أو كيف سنشيد الأبنية العالية بعد التخرج من الهندسة المدنية أو كيف سنعد أسنان المريض ونشتم روائح غريبة وعجيبة بعد أن نتخرج من كلية طب الأسنان, وللأسف لا أحد يفكر فيما نريده نحن أو ماهي هواياتنا أو ماذا نتقن أو حتى ماذا يحتاج الوطن من مهن انقرضت من مجتمعاتنا, فالأم تريد أن تتباهى بابنها أمام الجارات والأب يريد تحقيق ذاته عن طريق ابنه بعد أن فشل في أن يكون ما أراد أن يكونه وهو صغير...

نتائج الثانوية العامة وكما كل سنة تحدث ضجة كبيرة فمنهم من يبكي فرحاً ومنهم من يبكي حزناً وآخر يبكي لأن أباه سيخجل أمام أصدقائه أو أمه ستحرج أمام جاراتها, فهو لم يحصل العلامات التي تدخله كلية الطب أو الصيدلة أو أضعف الإيمان كلية هندسة ما, المهم أن يتباها الأب وتزهو الأم أما ذلك المسكين "الطالب(ة)" فلا حول له ولاقوة إلا من رحم ربك واستطاع أن ينجو من فخ العادات والأفكار القديمة التي تعتبر أن من لايدخل كلية الطب فهو فاشل أو أن من يدرس في كلية الاقتصاد ليس إلا محاسب بسيط بقميص له كمين مميزين للحماية من الأحبار والأوراق, أما الذي يدرس في كلية الزراعة فهو فلاح مثقف ... والكثير غيرها من الأفكار الغريبة التي تضحك وتبكي بنفس الوقت.

أحمد كانت نتيجته فوق الـ 230 علامة ما عدا مادة التربية الدينية, فيقفز أهله فرحاً ويحيون الليالي الملاح وهنا تكون المهمة انتهت لأن ابنهم أصبح طبيبا سيشارك في تضميد جراح أجساد الإخوة في فلسطين ولبنان والعراق وربما جراح عقول بعض العرب التي بدأت تتعرض لجنون الغباء أو مهندساً سيعيد بناء الجولان وجنوب لبنان وغزة ونابلس وجنين ونسوا أنه مازال أمامه الكثير والكثير ليتعلمه ورحلة التعب قد بدأت للتو.

أما حسان فحصّل أقل من 200 علامة ( شو كان عم بساوي طول السنة ( فلقد ارتكب خطأ سيكلفه عدة أسابيع من العبوس والتشاؤم والحرج وغيرها من التفاصيل الأخرى التي لاشك ترونها كل يوم من خلال أصدقائكم أو أهاليكم أو جيرانكم, أما حسان فهو يريد أن يدخل كلية الآداب لدراسة التاريخ ويتخصص في التاريخ العربي والصراعات التي خاضتها أمتنا مع الطامعين والمحتلين على مدى العصور والقرون, فتهب بوجهه أمم الأرض كلها لتقول: تاريخ!!!!!! وماذا ستعمل بعد أن تنتهي من الدراسة, معلم؟؟؟!!!!! من أين ستأكل؟ وكيف ستعيش؟ هل ستبيع تاريخك لأعدائك وتذل نفسك أم ستحفر الأرض بحثاً عن جثث ضحايا مجزرة كفر قاسم ودير ياسين, أم ستحكي قصة صبرا وشاتيلا وذلك المسخ الذي ارتكبها.

أعلم أن آباءنا يريدون الأفضل لنا دائماً, لكن هل الأفضل أن يكون كل الشعب أطباء أو مهندسين, من سيعلمنا تاريخنا المجيد وطرد بني النضير وبني القينقاع وبني قريظة وفتح حصن خيبر وحرب تشرين التحريرية وذكرى تحرير الجنوب, من يصنع المعاول التي تزرع الأرض لتطعم تلك البطون الجائعة التي تهرب من قنابل محرمة دولياً. ومن سيبني بيوتاً خربتها أيادي المغول, ومن ومن ومن ؟؟؟؟

أهالينا الكرام رفقاً بأخوتنا الطلبة وانظروا نظرة متفائلة إلى أي فرع من فروع العلم أو العمل التي يختارها أخي وأختي وساعدوهم لينجحوا فيها وامنحوهم الثقة لأن الوقت فات وما فات قد مات وما هو آت آت.